الشيخ محمد رشيد رضا
115
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فمن وجد خيرا فليحمد اللّه تعالى ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه » والمراد باطعامه تعالى وكسوه لعباده خلقه لهم ما يأكلون وما يصنعون منه لباسهم وباستطعامه واستكسائه طلب ذلك منه بالعمل بما هداهم اليه من سننه في أسباب المعاش . والحديث حجة على الجبرية كالآيات وأما كونه تعالى ذو الرحمة الكاملة وحده فجلى ظاهر عقلا وفعلا ونقلا فنحن نعلم من أنفسنا أنه ما من أحد منا إلا ويقسو ويظلم نفسه وغيره أحيانا حتى أحب الناس اليه وأبهم منه كالزوج والولد والوالد فما القول بمن دونهم ، على أن كل ذي رحمة فرحمته من فيض رحمة اللّه تعالى خالق الاحياء وواهب الغرائز والصفات روى الشيخان في صحيحيهما من حديث عمر بن الخطاب ( رض ) قال قدم على النبي ( ص ) بسبي فإذا امرأة من السبي قد تحلب ثديها بسقي إذا وجدت صبيا في السبي أخذته وأرضعته فوجدت صبيا فاخذته فالتزمته - وفي رواية فألصقته ببطنها - فأرضعته فقال النبي ( ص ) « أترون هذه طارحة ولدها في النار ؟ » قلنا لا وهي قادرة على الا تطرحه - فقال اللّه أرحم بعباده من هذه بولدها » ورويا أيضا من حديث أبي هريرة قال سمعت رسول اللّه ( ص ) يقول : « جعل اللّه الرحمة في مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا وأنزل في الأرض جزءا واحدا فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه » روياه من عدة طرق منها « ان اللّه خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة فأمسك عنده تسعا وتسعين رحمة وأرسل في الخلق كلهم رحمة واحدة ، فلو يعلم الكافر بكل الذي عند اللّه من الرحمة لم ييأس من الجنة ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند اللّه من العذاب لم يأمن من النار » وقد ذكر بعض العلماء في شرح الحديث أن الرحمة رحمتان صفة ذات قائمة بذات اللّه تعالى وهي لا تتعدد وصفة فعل وهي التي جعلت مائة قسم ، والمتبادر أن الحديث في نسبة رحمة جميع الخلق إلى رحمة اللّه تعالى لبيان تعظيم قدرها ، فيا حسرة على من لم يقدرها قدرها ويا حسرة على من اغتر بها ففسق عن أمر ربه ونسي حكمته في الجزاء ، وهذه الرواية في الحديث لبيان وجوب الجمع بين الخوف والرجاء . وقد سبق فيما نقلناه عن حادي الأرواح كلام حافل في رحمة اللّه تعالى في التكليف والجزاء ثوابا وعقابا يغني عن إعادة القول فيها هنا وقد بين الرازي وجه حصر الغنى والرحمة في اتصاف الرب بهما وحده على